الساحة

Home / أقلام / المرأة وصناعة القرار في زمن ما بعد الإبادة. بقلم المختارة فاتن زهير حرب

المرأة وصناعة القرار في زمن ما بعد الإبادة. بقلم المختارة فاتن زهير حرب

لا يمكن الحديث عن مجتمعٍ عادل أو نهضةٍ حقيقية في ظل استمرار تهميش النساء وإقصائهن بشكلٍ ممنهج عن مواقع التأثير وصناعة القرار. فهذا التهميش لا يشكّل فقط انتقاصًا من حقوق المرأة، بل يُعدّ خللًا بنيويًا ينعكس سلبًا على مجمل الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويُفرغ مفهوم المشاركة المجتمعية من مضمونه الحقيقي.

لقد جرى اختزال دور المرأة لسنوات طويلة في أدوار ثانوية، تُنفّذ ولا تُقرّر، تُستدعى عند الحاجة وتُستبعد عند رسم السياسات. غير أن التجارب القاسية، وخصوصًا في أعقاب حروب الإبادة وما رافقها من دمارٍ إنساني واجتماعي، كشفت زيف هذه النظرة، وأظهرت الوجه الحقيقي للمرأة بوصفها فاعلًا أساسيًا في الصمود والبقاء وإعادة بناء المجتمع.

خلال هذه الحروب المتتالية، تحمّلت النساء أعباءً مضاعفة؛ فقدن الأبناء والأزواج، وحملن مسؤولية الأسرة، وحافظن على تماسك النسيج الاجتماعي في أحلك الظروف. لم تكن المرأة ضحيةً فحسب، بل كانت صانعة للحياة وسط الموت، وحارسة للهوية والكرامة في زمن الانهيار. ومن هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري : كيف يمكن إقصاء من صمدت وقادت وتحملت، عن طاولة القرار؟

إن الحديث عن مرحلة ما بعد الإبادة يفرض إعادة النظر جذريًا في معادلات القوة والتمثيل. فلا إعادة إعمار حقيقية دون مشاركة المرأة، ولا سلام مستدام دون حضورها في مواقع صنع القرار، ولا مستقبل عادل دون الاعتراف بدورها كشريكة كاملة لا كعنصر مكمّل أو رمزي. فالمرأة تمثّل نصف المجتمع، لكنها في الحقيقة تحمل مسؤولية المجتمع بأكمله، ما يجعل تمكينها ضرورة وطنية وأخلاقية لا تقبل التأجيل.

إن تمكين المرأة سياسيًا ومجتمعيًا لا ينبغي أن يُختزل في شعارات أو مناسبات، بل يجب أن يترجم إلى سياسات واضحة، وتشريعات عادلة، ومساحات حقيقية للمشاركة والتأثير. فالمعادلة القديمة التي همّشت النساء أثبتت فشلها، حان الوقت لتغييرها لصالح نموذجٍ أكثر توازنًا وإنصافًا، تتصدر فيه المرأة المشهد بوصفها صانعة قرار، لا مجرد منفذة له.

إن إنصاف المرأة اليوم ليس فقط اعترافًا بتضحياتها، بل استثمارًا في مستقبلٍ أكثر عدلًا واستقرارًا. فحين تكون المرأة في قلب القرار، يكون المجتمع أقرب إلى التعافي، وأكثر قدرة على النهوض من تحت الركام.

بقلمي
المختارة فاتن زهير حرب